الشيخ محمد الصادقي الطهراني
328
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
هنا مفقودة لسابق النص « فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ » و « إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ . . » ( 4 : 17 ) وقد عمل السوء بغير جهالة ، بل بكل عناد ومعرفة بكيان المقتول ، فقد قتله لإيمانه وتقواه « وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً » ( 4 : 93 ) فلم يك إذا ممن يتوب اللّه عليه إن كان ندمه توبة ، وقد خرج عن الإيمان بقتله المؤمن متعمدا * . علّه « فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ » عن فعلته زعم القدرة الغالبة وهو يراه أضعف من غراب وأجهل ، فلم يحصل - إذا - بقتل أخيه على مكانة وقوة غالبة خلاف زعمه ، وذلك الندم غير المصحوب بتوبة ، أم بتوبة غير مقبولة ، إنه عذاب فوق عذاب الأخرى ، وما أمر الظالمين إلّا في تباب ، وهنا يبرز له أن قتل أخيه كان عن جهل منه متعمّد فليندم على ما فعل ، وهكذا يرتبط ندمه بجهله وعجزه تعليما من غراب . وهنا يلتقط السياق الآثار العميقة التي تتركها في النفس رواية ذلك النباء بهذا التسلسل ، ليجعل منها ركيزة شعورية للشرعة التي فرضت لتلافي الجريمة في نفس المجرم أو القصاص العدل إن هو أقدم عليها بعد علم بالآم القصاص التي تنتظره * . مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ( 32 ) . وهنا « مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ . . » وكذلك « أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ » تتقيدان بآية البقرة : « الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى » فلا يقتل الحر بالعبد ولا الذكر بالأنثى ، ومهما كانت آية البقرة مدنية أولى وهاتان مدنيتان في المائدة وهي آخر ما نزلت ، فلأنهما تحكيان حكما سابقا توراتيا فآية البقرة تنسخهما تقييدا . ثم « فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً » ليس تشبيها في الواقعية مهما كانت بعض النفوس قتلها كقتل الناس جميعا ، إذ لو عني الفرض : لو لم تكن نفس إلّا هذه لكان قتلها قتل الناس جميعا ،